عادل عبد الرحمن البدري
89
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
العدل أريد ( ص ) يتغلغل حتّى في تفصيلات العلاقات الأسرية ، فتراه ( ص ) يمنع العواطف والأحاسيس التي تطفو على سطح الصورة الأسرية ، وهي خالية من توزيع المحبّة العادلة بين الأبناء ، فروي عنه ( ص ) قوله : اعدلوا بين أبنائكم « 1 » . ففسيرة الأنبياء وأوصياؤهم وأصحابهم الأخيار هي مدرسة عليا لتعليم أصول العدل وأسسه . العدل العلوي جسّدت سيرة الحاكم الربّاني علي ( ع ) العدالة تجسيداً لا يمكن تصويره واختزاله في سطور مكتوبة ، فالتاريخ لا يستطيع أن يدوّن كلّ ما كان من صور تطبيقية لمعنى العدالة في سيرة هذا الرجل الزاهد الذي فرّ أخوه من عدله ، وتناثر أصحابه هنا وهناك ، وكأنّهم جناة يلاحقهم قاض لبس ثوب العدالة وجعلها شعاره ودثاره ، فلم تهدأ عينه ويستقرّ باله إلّا حين وضع نفسه وذاته في قفص الاتهام يطارد نفسه وكأنّه قاض يلاحق جماعة وطائفة مطلوبة لقصاص عدله . وقد ضاق العدل العلوي على النفوس الجائرة ، فأبت أن تتقيّد وأن تهذّب شهواتها ونوازعها الشريرة ، فاختارت الجور على العدل ، وحدّثنا عليّ ( ع ) عن ذلك حين كتب إلى سهل بن حنيف الأنصاري ، عامله على المدينة حين فرّ جمع من أهلها إلى معاوية بن أبي سفيان فقال : أمّا بعد ، فقد بلغني أنّ رجالا ممّن قبلك يتسللون إلى معاوية ، فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ، ويذهب عنك من عددهم ، فكفى لهم غيّاً ، ولك منهم شافياً ، فرارهم من الهدى والحقّ وإيضاعهم « 2 » إلى العمى والجهل ، وإنّما هم أهل دنيا مقبلون عليها ، ومهطعون « 3 » إليها ، وقد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه ، وعلموا أنّ الناس عندنا في الحقّ أسوة ، فهربوا إلى الأثرة فبعداً لهم وسحقاً ! إنّهم - والله - لم ينفروا
--> ( 1 ) ( ) مسند أحمد بن حنبل 375 : 4 . ( 2 ) الإيضاع : سير مثل الخبب ، يقال : وضع البعير وأوضعه إذا حمله على سرعة السير . اللسان ( وضع ) وترتيب الجمهرة 595 : 3 . ( 3 ) مهطعون : مسرعون في العدو . لسان العرب ( هطع ) .